التخطي إلى المحتوى
القصبة  عاصمة دولة الجزائر

القصبة … عاصمة دولة الجزائر
كانت القصبة الخالدة عرين الأسود وعش العقبان والصقور والكواسر، لا تقل في مناعتها فعالية ورمزية عن جبالنا في الشمال والجنوب، ولا عن أعماق صحراءنا، كانت مقر حكومة الدايات الحصينة ومنزل حكمهم ومنبع قراراتهم التي تحكم الملاحة في البحر الأبيض المتوسط.
في سنة 1516 بعث بابا عروج دولة الجزائريين بهذا الإسم، لم تكن أيالة ولا عيالة، فمن اليوم الأول فرض حكام دولة الجزائر منطقهم وكلمتهم في الحل والعقد، بعث دولة مكملة للدولة الجزائرية السابقة بدءاً من الدولة النوميدية إلى الرستمية إلى الزيرية-الحمادية إلى الزيانية، ثم دولة الجزائر الحديثة التي نحن بصددها، إلى دولة الأمير عبد القادر إلى الحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية أثناء ثورة التحرير الوطني، ثم أخيراً إلى الجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية.
نعود إلى دولة الجزائر الحديثة: إن رسائل لويس الرابع عشر وغيره من ملوك ورؤساء دولة فرنسا فيما بعد إلى دايات الجزائر، والمعاهدات التي عقدها هؤلاء معهم ومع غيرهم من ملوك ورؤساء دول أخرى مثل هولندا وانكلترا والامبراطورية الألمانية (النمسا)، وهامبورغ والسويد والدانمارك … إلخ ، لتذكر صيغة “جمهورية الجزائر ” أو “الجمهورية الجزائرية”،وبخصوص فرنسا: فنكتفي بذكر عدد المرات التي ذكرت فيها صيغة “داي ومملكة الجزائر” في معاهدة واحدة-كمثل فقط- :
ففي معاهدة الداي شعبان مع لويس الرابع عشر يوم 19سبتمبر 1689 كان عنوان -أو براعة استهلال- المعاهدة هكذا:
“معاهدة بين الملك المسيحي جداً، الأمير لويس الرابع عشر بالإسم، إمبراطور فرنسا ونبرة Navarre، مع الأمجد المشهور جداً الداي شعبان، داي مدينة ومملكة الجزائر” وكانت مادتها الثالثة هكذا:
“ستسود السلم في المستقبل بين إمبراطور فرنسا و الأمجد المشهور جداً داي مدينة ومملكة الجزائر، ستسود السلم والتجارة المتبادلة بين رعايا المملكتين”، وقد ذكرت صيغة “مملكة الجزائر” في هذه المعاهدة وحدها خمسة عشرة (15) مرة.
ثم إن جميع المعاهدات التي عقدتها الجزائر طوال تلك القرون الثلاثة لم تعقدها إلا باسمها، ولا ذكر فيها للدولة العثمانية ولا لاسطنبول ولا الأستانة، ولا الباب العالي…أو الخليفة، ولا السلطان، ولمن أراد التحقق فليرجع إلى تلك المعاهدات المحفوظة بعضها في الأرشيف الفرنسي والأخرى في إسطنبول.
بل نجد أبلغ من ذلك في الدلالة، فكثيراً ما كانت سياسة الجزائر وسياسة الباب العالي تتعارضان، ولنكتف هنا بمثل واحد في سياق العلاقات الجزائرية الفرنسية، والعلاقات العثمانية الفرنسية بالضبط، فبينما كانت الجزائر أول دولة اعترفت بالجمهورية الفرنسية، وامدتها بالتأييد الدبلوماسي وبالعون المادي والمالي، كانت الخلافة العثمانية طرفا في التكتل السباعي ضد الثورة الفرنسية وجمهوريتها، وبالتالي فلم تعترف بها إلا بعد أن اعترفت بها الجزائر.
ويقول المؤرخ الفرنسي دوغرامون:
“لقد كان الديوان (أي مجلس الجمهورية الجزائرية المتكون من الداي والخزناجي (أي الوزير الأول) وقائد الحرس(أي جيش المشاة والفرسان)، وأمير البحر (رئيس الرياس البحريين)، والمفتين (الحنفي والمالكي)، سيدا مطلقاً في الحل والربط لدى إعلان الحرب وعقد السلم والأحلاف والمعاهدات، ولم يكن يهتم إلا قليلاً بمعرفة ما إذا كان قراره ذاك يطابق أم يعارض سياسة الباب العالي (في إسطنبول).
ويعزز المؤرخ بلانطي هذا الرأي فيقول :
“لقد أخذ الجزائريون ابتداءاً من سنة 1671 ينتخبون بأنفسهم رئيس دولتهم، مدشنين بذلك عهد الدايات، بذون إذن الباب العالي، ولم يعودوا يتركون لمبعوثي السلطان (العثماني) إلا وظائف شرفية(وهو لقب الباشا الذي ألغي فيما بعد، وطرد آخر باشا ووضع في سفينة إلى إسطنبول.
وقد رأينا من وثائق سنة 1688 كيف لم يسمح الداي شعبان للباشا إسماعيل، مبعوث السلطان، حتى بالنزول من السفينة في ميناء الجزائر، وفي الوقت الذي نحن في صدده، كان على مبعوثي السلطان (العثماني) إلى الجزائر أن يعتبروا أنفسهم سعداء إذا ما استقبلوا بقدر من الاحترام، بدون أي بصيص من أمل إطلاقاً في أي نجاح للمهمات التي يأتون من أجلها إلى الجزائر.
ويقول نفس المؤرخ (بلانطي) عن دايات الجزائر:
“وماذا تستطيع الدول الأوروبية أمام هؤلاء الناس الذين ينتفون لحى مبعوثي السلطان (العثماني) ويمزقون أوامره”. ” وأمام هذه الجمهورية التي قاومت هجمات النصرانية(أي الدول الأوروبية) طيلة أكثر من ثلاثة قرون متوالية”.
ولكن رغم كل هذه الإستقلالية وهذه السطوة التي كان يتمتع بها دايات الجزائر، إلا أنهم كانوا دائماً يهبون لمساعدة الدولة العثمانية التي كثيرا ما تقع تحت طائلة التحالفات الأوروبية، التي تسعى إلى تدمير بحريتها، ولطالما كانت البحرية الجزائرية عونا لحليفتها العثمانية، بل كثيراً ما انقذت البحرية الجزائرية لحيفتها العثمانية من الدمار الماحق والخراب الساحق أمام ضربات الإنكليز والفرنسيين والروس والنمساويين …
ويتجلى ذلك في معركة ليبانت الشهيرة التي مني فيها الأسطولين الجزائري والعثماني بالهزيمة ولكن رغم هذا كان تحالفهما سبباً في عدم تدميرهما عن بكرة أبيهما.

التعليقات